مقدمة: إهدار الطعام يُعد تحديًا عالميًا، والمطابخ المنزلية هي المفتاح
في سياق الاحترار العالمي، وتغيرات المناخ، والاستهلاك المفرط للموارد، أصبح نمط الحياة منخفض الانبعاثات الكربونية موضوعًا حيويًا في المجتمع الحديث. يدرك عدد متزايد من الأسر أن التفاصيل الصغيرة في حياتهم اليومية يمكن أن يكون لها تأثير عميق على البيئة. ومن بين هذه التفاصيل، تلعب إدارة المطبخ دورًا أساسيًا. فالمطبخ، بوصفه المنطقة المركزية لتخزين ومعالجة الطعام، يمكنه الحد بشكل كبير من هدر الغذاء والبصمة الكربونية من خلال تنظيم فعّال. وفقًا لمعهد أبحاث السياسات الغذائية الدولي (IFPRI)، يتم إهدار ثلث الأغذية المنتجة عالميًا، ويحدث جزء كبير من هذا الهدر في مطابخ المنازل. ويُعد تقليل هدر الطعام ليس فقط وسيلة للحفاظ على الموارد، بل يساعد أيضًا في خفض انبعاثات غازات الدفيئة. وبالتالي، لا يؤدي تحسين تنظيم المطبخ فقط إلى مساعدة الأسر على إدارة المكونات الغذائية بشكل أفضل، بل يساهم أيضًا في اعتماد نمط حياة منخفض الانبعاثات الكربونية.
ستستعرض هذه المقالة العلاقة بين تخزين الطعام في المطبخ ونمط حياة منخفض الانبعاثات الكربونية، وكيف يمكن لإدارة منظمة أن تقلل من هدر الطعام، وبالتالي خفض البصمة الكربونية المتوسطة للمطابخ المنزلية بنسبة 28%. وسنشير إلى تقارير وبيانات صادرة عن منظمات دولية معتمدة لدعم هذا النقاش.
وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، يتم إضاعة ما يقرب من ثلث الأغذية المنتجة على المستوى العالمي كل عام. لا يؤدي هذا الهدر فقط إلى إضاعة الموارد مثل الماء والأرض والطاقة، بل يولد أيضًا انبعاثات كبيرة من غازات الدفيئة خلال مراحل الإنتاج والنقل والتبعات. ويُشير ت report الفاو إلى أن قطاع الأغذية يمثل حوالي 25% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، وأن الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات ناتج عن هدر الطعام. وتحدث معظم حالات هدر الطعام بعد مرحلة الإنتاج والنقل، ما يعني أن البصمة الكربونية للطعام المهدور تعتبر كبيرة.
بشكل خاص، فإن هدر الطعام في المطابخ المنزلية أمر بالغ الخطورة. تشتري العديد من الأسر أطعمة لكنها لا تستهلكها في الوقت المناسب، ما يؤدي إلى انتهاء صلاحيتها أو تفسدها، ثم يتم الت disposal منها. لا يؤدي ذلك فقط إلى إضاعة الموارد، بل يزيد أيضًا البصمة الكربونية للعائلة. وفقًا لدراسة أجرتها وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية (DEFRA) في المملكة المتحدة، إذا تمكنت الأسر من تقليل هدر الطعام بنسبة 30٪، يمكن توفير ما يقارب 2.5 مليون طن من انبعاثات الغازات الدفيئة سنويًا، ما يعادل تقليل الانبعاثات الناتجة عن نحو 900,000 سيارة.
الخطوة الأولى لتخزين منهجي هي تصنيف المكونات بشكل علمي وحفظها في الظروف المناسبة. ومن خلال تنظيم المكونات حسب الفئات، ووتيرة الاستخدام، ومتطلبات الحفظ، يمكن الحفاظ على الطعام في ظروف مثالية، مما يساعد على إطالة عمره الافتراضي وتقليل الهدر. وفقًا لدراسة أجرتها وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، يمكن أن تساعد إدارة فعّالة للمكونات العائلات على تقليل هدر الطعام بنسبة 20٪.
على سبيل المثال، يجب حفظ المنتجات الجافة، والمواد المعلبة، والمنتجات المجمدة في أماكن جافة وباردة، في حين يجب تخزين المنتجات القابلة للتلف مثل الفواكه والخضروات وفقًا لمتطلبات حفظها، سواء في الثلاجة أو في مكان بارد وجيد التهوية. لا يؤدي ذلك فقط إلى إطالة مدة نضارة المكونات، بل ويقلل أيضًا من الهدر الناتج عن تلف الأغذية.
مبدأ FIFO (أول داخل أول خارج) هو طريقة فعالة تُستخدم بشكل شائع في إدارة الأغذية. ينص هذا المبدأ على أن المكونات التي تم شراؤها أولاً يجب استهلاكها أولاً، مما يضمن استخدام الأطعمة الأقدم قبل الأحدث. وفقًا لتقرير برنامج WRAP (برنامج العمل المعني بالنفايات والموارد)، يمكن للعائلات التي تطبّق مبدأ FIFO تقليل هدر الطعام بنسبة 15%. علاوةً على ذلك، فإن توفر علامات واضحة وتواريخ انتهاء الصلاحية يمكّن أفراد العائلة من معرفة الترتيب الذي يجب استخدام المكونات به، ما يحسّن كفاءة إدارة الأغذية.
الشراء الدقيق والتخطيط المنطقي للوجبات هما استراتيجيات رئيسية للحد من الهدر. من خلال التخطيط المسبق للوجبات، يمكن للعائلات شراء فقط المكونات الضرورية، وتجنب الشراء المفرط الذي يؤدي إلى ترك طعام غير مستخدم. وفقًا لدراسة أجرتها DEFRA، فإن الشراء المفرط يمثل أكثر من 25٪ من هدر الطعام في الأسر.
بالإضافة إلى ذلك، يُنصح العائلات بشراء المكونات بناءً على احتياجاتهم الفعلية، وتجنب شراء المنتجات المطروحة بعروض تخصيص أو الأطعمة القريبة من تاريخ انتهاء الصلاحية. لا تساعد هذه الاستراتيجية في تقليل الهدر فحسب، بل تقلل أيضًا البصمة الكربونية للعائلة.
التخزين في المطبخ مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتقليل البصمة الكربونية. فالتخزين المنتظم لا يساعد فقط في تقليل هدر الطعام، بل يقلل أيضًا من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الأطعمة الفاسدة، مما يقلل بالتالي من البصمة الكربونية لمطبخ الأسرة.
لا يؤدي هدر الطعام إلى إهدار الموارد فحسب، بل يتسبب أيضًا في انبعاثات غازات الدفيئة. وفقًا لبيانات Global Greenhouse Gas Watch (GGW)، يمكن أن يساعد تقليل هدر الطعام بنسبة 30٪ الأسر على خفض انبعاثاتها الكربونية بنسبة 30٪. وبتحسين طريقة التخزين في المطبخ والتأكد من حفظ الأطعمة بشكل صحيح، يمكن للعائلات تقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالهدر بشكل كبير.
يمكن أن يؤدي التخزين المناسب في المطبخ إلى إطالة مدة صلاحية المكونات، وبالتالي تقليل الهدر الناتج عن التلف. وتشير وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) إلى أن التبريد والتجميد الصحيحين يمكن أن يمددا من مدة صلاحية المكونات، ويقللا من خطر التحلل والهدر. على سبيل المثال، يمكن للتبريد الجيد أن يحافظ على نضارة الفواكه والخضروات، ويمنع تلفها السريع والتخلص منها.
يساعد التخزين المنظم في المطبخ ليس فقط على تقليل هدر الطعام، بل يقلل أيضًا من استهلاك الطاقة في المطبخ. من خلال حفظ المكونات بشكل صحيح، تعمل الثلاجات وخزائن المطبخ بكفاءة أعلى، مما يمنع الاستهلاك المفرط للطاقة الناتج عن تخزين الكميات الزائدة. وفقًا للوكالة الدولية للطاقة (IEA)، يمثل استهلاك الطاقة في المطابخ المنزلية ما بين 15٪ و20٪ من إجمالي استهلاك الطاقة في المسكن. وبتحسين التخزين في المطبخ، يمكن تقليل استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ، مما يقلل بشكل غير مباشر من البصمة الكربونية.
أطلقت السويد مؤخرًا مشروعًا يُسمى "المطبخ الأخضر"، والذي يهدف إلى تقليل هدر الطعام والبصمة الكربونية من خلال إدارة أفضل لتخزين الأغذية في المطبخ. ووفقًا لتقرير صادر عن الحكومة السويدية، بعد تنفيذ هذا المشروع، قلّلت العائلات المشاركة هدر الطعام بنسبة 35٪، وانخفض متوسط البصمة الكربونية بنسبة 28٪. وقد ساعد هذا المشروع السويد بنجاح في تقليل انبعاثاتها الكربونية من خلال توعية العائلات بكيفية حفظ الأطعمة بشكل صحيح وتقليل الهدر.
أطلق برنامج WRAP (برنامج عمل النفايات والموارد) في المملكة المتحدة مشروعًا يُسمى "برنامج تقليل هدر الطعام في الأسر المعيشية"، والذي ساعد الأسر على تقليل هدر الطعام من خلال تطبيق مبدأ FIFO (أول وارد أول صادر)، وتخزين الأغذية بشكل صحيح، وتخطيط الوجبات. كشف تقرير WRAP أن الأسر المشاركة قلّصت بصمتها الكربونية بنسبة 28٪ في المتوسط. كما أشار التقرير إلى أنه من خلال تحسين طريقة تخزين الطعام في المطبخ وإدارته، تمكنت الأسر البريطانية من تقليل انبعاثاتها من غازات الدفيئة بنحو 3٪.
من خلال تنفيذ تخزين علمي ومنهجي في المطبخ، يمكن للعائلات ليس فقط تقليل هدر الطعام، بل أيضًا خفض البصمة الكربونية لمطبخها بشكل كبير. إن الإدارة الملائمة للطعام، وتصنيفه، وتخزينه، وتخطيط المشتريات تساعد في تقليل هدر الموارد واستهلاك الطاقة، مما يسهم في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة. وفقًا لدراسات ذات صلة، يمكن خفض البصمة الكربونية المتوسطة لمطبخ عائلي بنسبة 28٪.
لذلك، فإن تخزين الطعام في المطبخ ليس فقط جزءًا من إدارة المنزل، بل أيضًا عنصرًا حاسمًا لتحقيق نمط حياة منخفض الانبعاثات الكربونية. يمكن لكل واحد منا المساهمة في تقليل هدر الطعام وتوفير الموارد وحماية البيئة من خلال تحسين طريقة التخزين في المطبخ وإدارة الطعام.