في السنوات الأخيرة، ارتفعت الاهتمام العالمي بالسلامة الغذائية وإدارة النظافة في المنازل. ويشكل المطبخ على وجه التخصيص بيئة يتم فيها إعداد وطهي وتخزين المواد الغذائية يوميًا، حيث إن أي سوء في النظافة أو طرق التخزين قد يؤدي إلى زيادة خطر نمو البكتيريا والتلوث المتقاطع.
تُعد الاتحاد الأوروبي (EU) من أكثر النظم العالمية شمولاً وصرامة في مجال تنظيم سلامة الأغذية، ويعمل على إدارة المخاطر الميكروبيولوجية على امتداد سلسلة الغذاء بأكملها. وضمن هذا الإطار، يتم تنفيذ أبحاث وتوصيمات تخص إدارة النظافة في المطابخ المنزلية، وقد ظهرت أدلة تشير إلى أنّ باعتماد طريقة تخزين قياسية، يمكن خفض معدل تتكاثر البكتيريا في المطبخ بنسبة تصل إلى 60٪ .
في هذه المقالة، سنشرح بالتفصيل التنظيمات الصحية في الاتحاد الأوروبي، والتقرارات الصادرة عن مؤسسات بحثية مرموقة، إضافة إلى طرق ملموسة لتحسين التخزين مع أمثلة عملية، بهدف تعزيز سلامة الغذاء في المنازل بطريقة علمية.
يُعتمد من قبل الاتحاد الأوروبي نظام إدارة متكامل وموحّد في مجال سلامة الأغذية، ويُعرف بـ من المزرعة إلى المائدة (Farm to Fork) يتمحور النهج حول هذا المفهوم الذي يهدف إلى إدارة السلامة في جميع مراحل إنتاج وتحويل وتوزيع واستهلاك الغذاء، بهدف تقليل المخاطر الصحية على المستهلك النهائي إلى الحد الأدنى.
تقوم منظومة سلامة الأغذية في الاتحاد الأوروبي على التسيطرة الشاملة على المخاطر الصحية المرتبطة بالغذاء على جميع المستويات، بما في ذلك السياسات والقوانين والتقييم العلمي والتربية والت awareness. ويمكن تطبيق هذا المفهوم الخاص بـ«التحكم بالمخاطر» حتى في الفضاءات اليومية مثل مطبخ المنزل.
من أبرز الأنظمة القانونية في الاتحاد الأوروبي «اللائحة EC رقم 2073/2005 (المعايير الميكروبيولوجية للأغذية)» وهي تحدد بوضوح المعايير المسموح بها للميكروبات (مثل بكتيريا السالمونيلا، الليستيريا، الإشريكية القولونية وغيرها) في أغذية معينة، وتشكّل بذلك أساساً لضمان السلامة في مراحل تصنيع وتحويل وتوزيع الأغذية.
بالإضافة إلى ذلك، يعتمد الاتحاد الأوروبي هاكوب (Hazard Analysis and Critical Control Points: تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة) يُعتمد هذا الأسلوب كأساس لإدارة سلامة الأغذية. وهو مفهوم يمكن تطبيقه أيضًا في المنزل، ويتمثل في تحليل "أين وكيف يمكن أن تنشأ مخاطر البكتيريا"، ومن ثم اتخاذ إجراءات للتحكم في هذه المخاطر عند نقاط الإدارة المناسبة.
تشير العديد من الدراسات العلمية إلى أن مطبخ المنزل يُعد بيئة يسهل تراكم البكتيريا فيها خلال الحياة اليومية. على سبيل المثال، أظهرت تحليلات ميكروبيولوجية أجريت في عدة دول أوروبية على مطابخ منزلية وجود مجتمعات ميكروبية متنوعة على أدوات مثل إسفنج تنظيف الصحون، والمناشف القماشية، وأسطح الطاولات المستخدمة في الطهي. علاوةً على ذلك، يمكن لهذه الكائنات الدقيقة الانتقال بسهولة مع التعامل مع المواد الغذائية أو حركة الأيدي، ما يزيد من احتمالية حدوث التلوث المتقاطع.
في دراسة أخرى، وُجد أن أدوات التنظيف مثل الإسفنج والمناشف القماشية هي الأدوات التي تحتوي على أعلى عدد من البكتيريا في المطبخ المنزلي، كما أظهرت الدراسة أن انخفاض معدل تنظيف الثلاجة يؤدي إلى ارتفاع مستوى التلوث البكتيري. وفي كثير من الأحيان، قد تصبح أدوات التنظيف نفسها مصدرًا للتلوث المتقاطع.
تشير منظمة الصحة العالمية (WHO) والوكالات الأوروبية المعنية بسلامة الأغذية منذ سنوات عديدة إلى أن النظافة في المطبخ ومنع التلوث المتقاطع وسلوكيات الطهي تؤثر بشكل مباشر على خطر التسمم الغذائي.
في الواقع، غالبًا ما يتم تجاهل تلوث المطبخ بالبكتيريا دون انتباه لأنه لا يظهر بسهولة على السطح. فعند تخزين المواد الغذائية الطازجة والمأكولات المطهية في نفس المكان بشكل عشوائي، يمكن أن يصبح هذا المكان عشًا للبكتيريا. كما أن الأماكن الرطبة أو الخزائن ذات التهوية السيئة تكون بيئة مثالية لنمو الكائنات الدقيقة.
علاوةً على ذلك، فإن البيئة التي يتم فيها تخزين أدوات الطهي والتوابل والمواد الغذائية معًا تزيد من خطر التلوث المتقاطع، مما قد يؤثر سلبًا على الأطعمة التي تُقدَّم لاحقًا على المائدة.
في الواقع، على الرغم من انتشار المعرفة الأساسية بالنظافة في المطبخ بين المستهلكين إلى حدٍ ما، إلا أن تطبيقها في الحياة اليومية يُعد أمرًا صعبًا، وغالبًا ما نلاحظ حالات مثل "عدم فصل لوح التقطيع الخاص باللحوم النيئة عن لوح الخضروات النيئة" أو "عدم تقسيم الأطعمة داخل الثلاجة". وهذه الأمور تمثل عوامل تزيد من خطر تكاثر البكتيريا.
في عدد من مشاريع الأبحاث والتوجلنية الممارسة في الاتحاد الأوروبي، يتم دراسة تقييم المخاطر والأساليب التerventionية للمطبخ المنزلي. على سبيل المثال، في المؤسسة النرويجية للأبحاث الغذائية Nofima (النوفيما) المشروع " Safer food through better kitchen hygiene (غذاء أكثر أمانًا من خلال نظافة أفضل في المطبخ) " أفادت بتحسين المستوى العام لسلامة الأغذية من خلال تحسين طرق التشغيل والتنظيم في المطبخ.
إن "التخزين الموحد" لا يعني فقط تنظيم الأشياء، بل يشير إلى تصميم التخزين الذي يأخذ بعين الاعتبار بشكل علمي نقاط نمو البكتيريا ومخاطر التلوث المتقاطع. ويشمل ذلك على وجه التخصيص:
فصل وتخزين المواد الغذائية النيئة عن الأطعمة المطهية
فصل وتخزين أدوات الطهي حسب الاستخدام (للحوم، للخضروات، للأسماك، إلخ)
التفريق بوضوح بين المناطق الرطبة (حول الحوض) والمناطق الجافة (مثل خزانة الطعام)
توفير تهوية كافية ومنع تراكم الرطوبة
جميع هذه الإجراءات تستند إلى مبدأ HACCP الذي توصي به الاتحاد الأوروبي، حيث يتم تطبيق الإطار المتمثل في "تحليل المخاطر والتحكم في نقاط الإدارة الحرجة" حتى في البيئة المنزلية.
تشير البيئات المخبرية التجريبية والدراسات الميدانية إلى تحقيق نتائج مثل:
في المطابخ التي تم تطبيق عمليات التخزين والتنظيف الموحّدة فيها، انخفضت مستويات الكشف عن البكتيريا بنسبة 50-70٪
※ تختلف النسبة حسب الظروف البيئية وطرق أخذ العينات، ولكن لوحظ تحسن ملحوظ في جميع الحالات.
عند دمج برامج التعليم للمستهلكين مع تحسينات في التخزين، تحسّنت المؤشرات الصحية بشكل كبير
※ هذه ليست مجرد فوائد بصرية ناتجة عن التنظيم، بل هي نتيجة قابلة للقياس علميًا.
تشير هذه النتائج إلى أن «مراجعة طريقة تخزين الأغراض نفسها، وليس فقط التنظيف أو التعقيم» يُسهم في الحد من انتشار البكتيريا.
من العوامل التي تجعل التخزين الموحّد فعالاً ما يلي:
الحد من نقاط التلامس لمنع التلوث المتقاطع
مثال: عدم الاستمرار في استخدام نفس لوح تقطيع اللحوم بعد إعداد اللحوم النيئة
تحسين الظروف المتعلقة بالرطوبة ودرجة الحرارة
تساعد المساحات الرطبة في تكاثر البكتيريا، ولكن يمكن تقليل هذا الخطر من خلال تحديد مناطق الجفاف بشكل واضح
تعزيز السلوكيات اليومية للنظافة من خلال تحسين الوضوح والإدراك
إن التخزين المنظم يوضح نقاط التنظيف، ويعزز العادات اليومية للنظافة
European Food Safety Authority (EFSA) هي الهيئة العلمية لتقييم المخاطر في الاتحاد الأوروبي، وتقوم بتجميع وتحليل بيانات واسعة النطاق المتعلقة بسلامة الأغذية. وتُستخدم قواعد بيانات الرصد وتقييمات المخاطر الصادرة عن EFSA ليس فقط في اتخاذ القرارات السياسية، بل أيضًا كأساس علمي تُستند إليه الدول الأعضاء عند إعداد إرشادات النظافة المنزلية.
توفر تقارير EFSA بيانات أساسية تتعلق بالنظافة في المطبخ، مثل مستويات التلوث الميكروبي، ومخاطر التلوث المتقاطع، ومخاطر الانتقال من المواد التي تتلامس مع الغذاء.
التي تديرها اللجنة الأوروبية منصة إرشادات سلامة الأغذية تحتوي على طرق إدارة السلامة الصحية لمختلف القطاعات والعمليات. وتشمل هذه الإرشادات ليس فقط الدليل الصحي للمتعاملين مع الأغذية، بل أيضاً المبادئ الأساسية للتثقيف الغذائي للمستهلكين وأساليب التنظيم والترتيب أيضاً.
تشرح هذه الإرشادات بشكل منهجي إجراءات الوقاية من التلوث المتقاطع في المطابخ، واستخدام مطهرات الكلور، وأهمية غسل اليدين، وتُقدَّم بصيغة يسهل على الأفراد تطبيقها يومياً.
بالنسبة للسلامة الصحية لأدوات المطبخ والأواني، فإن اللجنة الأوروبية لتوحيد المقاييس (CEN) تحدد المعايير الخاصة بالمواد وتصميم السلامة، وتشمل على سبيل المثال لا الحصر تصميم الأسطح التي تتلامس مع الطعام بحيث يسهل تنظيفها وتقليل احتمالات الاحتكاك أو التشقق التي قد تؤدي إلى تراكم البكتيريا، مما يقلل بشكل غير مباشر من خطر تكاثر البكتيريا.
قم بتقسيم المطبخ وفقاً للآتي:
منطقة المنتجات الطازجة : الجزء العلوي من الثلاجة (للحم والأسماك وغيرها)
منطقة الأطعمة المطهية : الوسط أو الرفوف العليا من الثلاجة
منطقة الأطعمة الجافة : التوابل، الحبوب، العلب المعلبة
منطقة الأدوات :التفريق بوضوح حسب الاستخدام (سكين اللحوم، لوح تقطيع الخضروات، إلخ)
إن هذا الفصل إلى مناطق يقلل من خطر التلوث المتقاطع بشكل فيزيائي.
باستخدام علامات الألوان أو الملصقات:
تمييز لوح تقطيع الأطعمة النيئة عن لوح تقطيع الأطعمة المطهية بألوان مختلفة
تثبيت ملصقات تمييزية لكل أداة طبخ
توضيح مناطق التخزين الخاصة بالمواد الجافة والمواد الرطبة
إن التقسيم الواضح بصريًا يقلل من الأخطاء اليومية في الاستخدام.
يُسهّل التخزين الموحّد عملية التنظيف، ولكن يجب الالتزام بما يلي أيضًا:
التعقيم بعد استخدام أسطح الطهي والأدوات
التنظيف الدوري لرفوف الطعام والثلاجة من الداخل
استبدال الإسفنج وقماشات المسح بشكل دوري
وهذا يساعد على منع تراكم البكتيريا.
عند اختيار أسطح الطهي ورفوف التخزين:
الفولاذ المقاوم للصدأ
الزجاج المقسّى
بلاستيك ذو درجة غذائية
يجب اختيار مواد مثل هذه يصعب التصاق البكتيريا بها ويسهل مسحها.
نظافة المطبخ ليست مجرد عملية تنظيف روتينية، بل هي عادة حياتية مهمة ترتبط مباشرةً بسلامة الأغذية وتعزيز الصحة إن الأبحاث واللوائح المستندة إلى الأدلة العلمية من الاتحاد الأوروبي توضح بشكل واضح 'كيف تحدث التلوثات' و'كيف يمكن الحد من تكاثر البكتيريا'. وبشكل خاص، فإن التخزين القياسي تم التأكد من خلال العديد من الدراسات التجريبية أنه قد يقلل من معدل تكاثر البكتيريا داخل المنازل بنسبة تصل إلى 60٪.
من خلال دمج خطوات بسيطة مثل الفرز، والتوزيع حسب المناطق، والتعقيم الدوري في الروتين اليومي، يمكن لأي شخص تحويل مائدة الطعام المنزلية إلى مكان أكثر أماناً واطمئناناً.